محمد جواد المحمودي
202
ترتيب الأمالي
ولقد خالط القوم أمر عظيم « 1 » ، إذا فكّروا في عظمة اللّه وشدّة سلطانه مع ما يخالطهم من ذكر الموت وأهوال القيامة ، فزّع ذلك قلوبهم ، فطاشت حلومهم ، وذهلت عقولهم ، فإذا استقاموا بادروا إلى اللّه عزّ وجلّ بالأعمال الزكيّة . لا يرضون للّه بالقليل ، ولا يستكثرون له الجزيل ، فهم لأنفسهم متّهمون ، ومن أعمالهم مشفقون ، إن زكّي أحدهم خاف ممّا يقولون ، ويستغفر اللّه ممّا لا يعلمون ، وقال : أنا أعلم بنفسي من غيري وربّي أعلم منّي بنفسي « 2 » ، اللهمّ لا تؤاخذني بما يقولون ، واجعلني خيرا ممّا يظنّون ، واغفر لي ما لا يعلمون ، فإنّك علّام الغيوب وساتر العيوب . ومن علامة أحدهم أنّك ترى له قوّة في دين ، وحزما في لين ، وإيمانا في يقين ، وحرصا على العلم ، وفهما في فقه ، وعلما في حلم ، وكسبا في رفق ، وشفقة في نفقة ، وقصدا في غنى ، وخشوعا في عبادة ، وتجمّلا في فاقة ، وصبرا في شدّة ، ورحمة للمجهود ، وإعطاء في حقّ ، ورفقا في كسب ، وطلبا للحلال ، ونشاطا في الهدى ، وتحرّجا عن الطمع ، وبرّا في استقامة ، وإغماضا عند شهوة .
--> ( 1 ) خولط فلان في عقله : إذا اختلّ عقله وصار مجنونا ، وقال الراوندي وغيره : المعنى يظنّ الناظر بهم الجنون وما بهم من جنّة ، بل مازج قلوبهم أمر عظيم وهو الخوف فتولّهوا لأجله . ( 2 ) في نسخة : « أعلم بي من نفسي » . قال ابن أبي الحديد : ومثل قوله : « أنا أعلم بنفسي من غيري » ، قوله عليه السّلام لمن زكّاه نفاقا : « أنا دون ما تقول ، وفوق ما في نفسك » . وقوله : « اللهمّ لا تؤاخذني بما يقولون . . . » إلى آخر الكلام مفرد مستقلّ بنفسه منقول عنه عليه السّلام ، أنّه قال لقوم مرّ عليهم وهم مختلفون في أمره ، فمنهم الحامد له ، ومنهم الذامّ ، فقال : « اللهمّ لا تؤاخذني . . . » الكلمات إلى آخرها ، ومعناه : اللهمّ إن كان ما ينسبه الذامّون إليّ من الأفعال الموجبة للذمّ حقّا ، فلا تؤاخذني بذلك ، واغفر لي ما لا يعلمونه من أفعالي ، وإن كان ما يقوله الحامدون حقّا ، فاجعلني أفضل ممّا يظنّونه . ( شرح نهج البلاغة : ج 10 ص 147 - 148 ) .